علي محمد علي دخيل

808

الوجيز في تفسير الكتاب العزيز

بالغيث وأرزاق العباد وغير ذلك وَالْأَرْضِ ذاتِ الصَّدْعِ تتصدّع بالنبات ، أي تنشقّ فيخرج منها النبات والأشجار إِنَّهُ لَقَوْلٌ فَصْلٌ هذا جواب القسم ، يعني ان القرآن يفصل بين الحق والباطل بالبيان عن كل واحد منهما وروي ذلك عن الصادق عليه السلام ، وقيل إن معناه : ان الوعد بالبعث والإحياء بعد الموت قول فصل ، أي مقطوع بلا خلاف ولا ريب فيه وَما هُوَ بِالْهَزْلِ أي هو الجدّ وليس باللعب ، ثم أخبر سبحانه عن مشركي قريش فقال إِنَّهُمْ يَكِيدُونَ كَيْداً أي يحتالون في الإيقاع بك وبمن معك ، ويريدون اطفاء نورك وَأَكِيدُ كَيْداً أي أريد أمرا آخر على ضدّ ما يريدون ، وادبر ما ينقض تدابيرهم ومكايدهم ، فسمى ذلك كيدا من حيث يخفى ذلك عليهم فَمَهِّلِ الْكافِرِينَ أي انتظر بهم يا محمد ولا تعاجلهم ، وارض بتدبير اللّه فيهم أَمْهِلْهُمْ رُوَيْداً أي إمهالا قليلا ؛ وإنّما قلل الإمهال لأن ما هو كائن آت لا محالة فهو قليل ، والمراد به يوم القيامة ، وقيل : أراد يوم بدر ، والمعنى : لا تعجل عليّ في طلب هلاكهم ، بل اصبر عليهم قليلا فان اللّه مجزيهم لا محال إمّا بالقتل والذل في الدنيا ، أو بالعذاب في الآخرة . سورة الأعلى مكية وآياتها تسع عشرة آية 1 - 19 - سَبِّحِ اسْمَ رَبِّكَ الْأَعْلَى معناه : نزّه ربك عن كل ما لا يليق به من الصفات المذمومة ، والأفعال القبيحة ، لأن التسبيح هو التنزيه للّه عما لا يليق به والأعلى معناه : القادر الذي لا قادر أقدر منه ، القاهر لكل أحد الَّذِي خَلَقَ الخلق فَسَوَّى بينهم في باب الإحكام والإتقان ، وقيل : خلق كل ذي روح فسوّى يديه وعينيه ورجليه ، عن الكلبي ، وقيل : خلق الإنسان فعدّل قامته ، عن الزجاج ، يعني انه لن يجعله منكوسا كالبهائم والدواب ، وقيل : خلق الأشياء على موجب إرادته وحكمته ، فسوّى صنعها لتشهد على وحدانيته وَالَّذِي قَدَّرَ فَهَدى أي قدّر الخلق على ما خلقهم فيه ، من الصور والهيئات ، وأجرى لهم أسباب معايشهم من الأرزاق والأقوات ، ثم هداهم إلى دينه بمعرفة توحيده بإظهار الدلالات والبينات وَالَّذِي أَخْرَجَ الْمَرْعى أي أنبت الحشيش من الأرض لمنافع جميع الحيوان وأقواتهم فَجَعَلَهُ بعد الخضرة غُثاءً أي هشيما جافا كالغثاء الذي تراه فوق السيل أَحْوى أي أسود بعد الخضرة ، وذلك ان الكلأ إذا يبس اسودّ سَنُقْرِئُكَ فَلا تَنْسى أي سنأخذ عليك قراءة القرآن فلا تنسى ذلك إِلَّا ما شاءَ اللَّهُ أن ينسيكه بنسخه من رفع حكمه وتلاوته . قال الفراء : لم يشأ اللّه أن ينسى عليه السلام شيئا فهو كقوله : خالِدِينَ فِيها ما دامَتِ السَّماواتُ وَالْأَرْضُ إِلَّا ما شاءَ رَبُّكَ ولا يشاء ، ففي الآية بيان لفضيلة النّبيّ ( ص ) واخبار انه مع كونه ( ص ) أميّا كان يحفظ القرآن ، وان جبرائيل عليه السلام كان يقرأ عليه سورة طويلة فيحفظه بمرّة واحدة ثم لا ينساه ، وهذه دلالة على الإعجاز الدالّ على نبوته إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ وَما يَخْفى معناه : ان اللّه سبحانه يعلم العلانية والسرّ ، والجهر : رفع الصوت ، ونقيضه الهمس والمعنى : انه سبحانه يحفظ عليك ما جهرت به وما أخفيته مما تريد أن تعيه وَنُيَسِّرُكَ لِلْيُسْرى اليسرى هي الفعلي من اليسر وهو سهولة عمل الخير والمعنى : نوفّقك للشريعة اليسرى وهي الحنيفية ، ونهون عليك الوحي ونسهله حتى تحفظه ولا تنساه ، وتعمل به ولا تخالفه وقيل معناه : نسهل لك من الألطاف والتأييد ما